محمد أبو زهرة

1934

زهرة التفاسير

هذه أحوال تسوغ النطق بالسوء دفع لظلم أهل السوء ، وكذلك الجدل في الحق ، لا مانع من ذكر ما انغمس فيه أهل الباطل ولا يعد هذا جهرا بالسوء ، بل هو كشف للسوء ، وإن الأحوال التي يكون فيها دفع الظلم لا تعد على التحقيق جهرا بالسوء لمجرد الجهر ، بل هي كشف للظالم ، وإنهاء للظلم ، ولذلك رجح بعض العلماء أن يكون الاستثناء منقطع . ومهما يكن من أمر الجهر بالسوء ، فإن الله تعالى عليم بالبواعث ، سميع لما يجهر به الجاهر ، وما يحدث به نفسه ، ولذلك ذيل سبحانه وتعالى النص بقوله تعالت كلماته : وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً أي أنه تعالى متصف بوصف السمع الكامل ، والعلم المحيط الشامل ، فهو سميع لما يجهر به الإنسان ، وما تحدثه به نفسه ، وما هو مطوى من خلجات وجدانه ، وعليم بالبواعث التي تبعثه على المنطق ، ومجازيه بقوله وعمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وهو عليم بكل أعمال الجوارح ، وما يرتكبه العباد من خير وشر علما محيطا يليق بذاته العلية . إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ بعد أن ذكر سبحانه وتعالى ما لا يحبه من الجهر بالسوء وأشار إلى الترخيص بالنطق به لدفع الظلم أو للقضاء على منكر من الأفعال أو زور من الأقوال ، بين سبحانه وتعالى ما يحبه من الخير الإيجابى والخير السلبي ويكون بالعفو ، فمعنى قوله تعالى إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أن الله سبحانه وتعالى يحب الخير في كل صوره ، والخير هو عمل البر ، والنفع الإنسانى العام ، فإن عملتموه فإنكم تعملون ما يحبه الله ، فإن تبدوه وتظهروه وتعلنوه ، أو تخفوه وتكتموه ، فهو مقبول مجزى عليه في كلتا حاليه ، فإن أظهرتموه للدعوة إليه ، فإلى الخير تدعون ، وأن أخفيتموه اتقاء لله ومنع للرياء . سترا على ما تعطون فنعما تفعلون . هذا فعل الخير الإيجابى ، وفعل الخير السلبي هو العفو عن الإساءة ، والصفح الجميل عن الناس ، فإن ذلك مما يحبه تعالى . ولقد روى أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما نقص مال من صدقة ، وما زاد عبد بعفو إلا عزا ، ومن تواضع لله رفعه